رهان الدولة في توفير خدمة النقل المدرسي

   يعرف واقع التربية و التعليم في الجزائر عدة رهانات كبرى ، و هو ما تبرزه الهالة الإعلامية التي صارت تصاحب كل دخول مدرسي أو تعديل يمس المنهج التربوي ، و خاصة مع التصنيفات العالمية التي تظهر دائما هبوطا حادا في مستوى التعليم في الجزائر ، ليطرح التساؤل حول مدى التكفل بالتلميذ و تهيئة ظروف التمدرس و ضمان بيئة مقبولة تمكن التلميذ من تحصيل علمي ، و لعل أهم رهان حاليا هو النقل المدرسي الذي صارت الدولة تولي له اهتماما بالغا ، إلا أن الواقع يدل على أنها عجزت عن حل أزمة النقل المدرسي و لم تستطع تلبية حاجيات النقل لتلاميذ القرى و المناطق النائية في جميع الأطوار التعليمية.

و في هذا المجال ، فان المكتب الولائي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بالشلف يؤكد بان النقل المدرسي مشكل عويص يواجه التلاميذ وأولياءهم، حيث تعود أضرار غياب وسائل النقل خاصة المدرسي منها على التلاميذ الذين يجدون صعوبة بالغة في التنقل إلى مدارسهم، فغيابها يجبر أولياء التلاميذ على أخذهم بنفسهم للمدرسة، خوفا من تعرضهم لمختلف حوادث المرور بسبب سيرهم لمسافات طويلة للوصول إلى مكان تحصيلهم الدراسي الذي يقل من سنة لأخرى بسبب مشكل النقل، فضلا عن خوفهم من تعرض أولادهم لمختلف الاعتداءات نتيجة خروجهم من المنزل صباحا للالتحاق بالمدارس التي في الكثير من الأحيان ما تكون بعيدة عن مقر سكناهم. هذا وقد أبدى جل سكان قرى ومداشر ولاية الشلف استياءهم وتذمرهم الشديدين تجاه النقائص التي يزاول تلامذتهم خلالها دراستهم، وهو ما يؤثر سلبا على تحصيلهم الدراسي، وفي هذا الصدد يطالب أولياء التلاميذ من السلطات المعنية توفير النقل المدرسي من أجل إراحة أبنائهم من العناء اليومي والمشقة التي يتحملها التلاميذ.

للإشارة ، فقد أعلنت الدولة في وقت قريب سابق أنها بصدد توفير 3500 حافلة للنقل المدرسي لفائدة التلاميذ للتكفل الأمثل بتنقلهم ، بقيمة 25 مليار دينار ، و سيتم تسليم 2000 حافلة قبل نهاية عام 2018 ، على أن توزع 1500 حافلة العام المقبل ، و ذلك في خطوة لتعزيز خدمة النقل المدرسي ، و هنا سنعيد التساؤل المطروح أعلاه حول المعايير التي سيتم من خلالها توزيع هذه الحافلات على البلديات . و تؤكد الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أنها ستبقى قريبة من أحوال تمدرس التلاميذ حتى يتم ضمان النقل المدرسي و لو بصورة نسبية مقبولة ، و أنها ستكون منبرا لتسليط الضوء على مشاكل الوضع التربوي .

      و يثبت الواقع أن حافلات النقل المدرسي سواء الممنوحة من طرف وزارة التضامن الوطني أو وزارة الداخلية و الجماعات المحلية لم تصل بعد إلى مستوى يضمن تغطية شاملة لتنقل تلاميذ المناطق الريفية و النائية ، و أن الإحصائيات التي تنشرها السلطات المعنية تفتقد لكثير من المصداقية ، كما أن المعايير التي يتم بموجبها توزيع الحافلات على البلديات صارت غير معلومة ، ما يفتح المجال لتغلغل المحاباة و البيروقراطية و الوساطة في الظفر بحافلات النقل المدرسي . و تؤكد الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان من خلال مكتبها في ولاية الشلف ، أن معظم بلديات الولاية عجزت عن القضاء على أزمة النقل المدرسي رغم التنسيق مع وزارة التضامن بخصوص هذا الأمر ، و قد وصل العجز حسب مصادر مقربة الى حوالي 120 حافلة نقل يمكن من خلالها توفير جو مريح لتلاميذ المناطق النائية ، و أمام هذا الوضع فإن المجالس البلدية المنتخبة صارت تخصص مبالغ مالية من ميزانية البلدية تتعلق بإقتناء حافلات أو تأجيرها من متعاملين خواص عبر اتفاقية مبرمة ، في إنتظار الاستفادة من كوطة من حافلات وزارة التضامن الوطني .

    و حسب ما ورد الى المكتب الولائي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بالشلف و ما وفقت عليه ، فإن حافلات النقل المدرسي التي وزعتها وزارة التضامن قبل عدة سنوات ، صارت تعرف حالة من الإهتراء و عدم الجاهزية و كثيرة الأعطاب ما يؤدي إلى إمكانية وقوع حوادث من جهة ، و تأخر وصولها أو غيابها من جهة أخرى ، لينتقل المشكل من ضمان حياة دراسية مريحة إلى وضع حياة التلميذ في خطر ، كما أن سائقي هذه المركبات على اعتبار أنهم عمال على مستوى البلديات ، فإنهم لا يخضعون لشروط انتقاء صارمة المهنية منها أو النفسية ، لأن الأمر يتعلق بضمان نقل مريح و آمن للتلاميذ ، و لقد وقعت حوادث في بلدية أبو الحسن لحافلة نقل تلاميذ منطقة تافراوت ، وحادث مشابه بالمرسى .

     و في سياق متصل ، فإن المكتب الولائي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بالشلف يرى هناك حالات عديدة تشهدها بعض بلديات الولاية تتعلق باستغلال حافلات النقل المدرسي في نقل العمال و الموظفين ، و تنقل الفرق الرياضية ، بل يصل الأمر إلى شحن المستلزمات و الأجهزة و في ذلك فترة الموسم الدراسي ، و هو ما يمثل خرقا للأهداف التي خصصت من اجلها هذه الحافلات ، و لعل هذا أحد أسباب كثرة الأعطاب و الإهتراء .

     حاولنا التقصي و معرفة آراء و انطباعات بعض التلاميذ بإعتبارنا حقوقيين أولا و أفرادا من صلب هذا الشعب ايضا ، حيث عبروا لنا ان الحافلات كثيرا ما تتخلف عن الوصول في الموعد المحدد ، و أمام وجود حافلة أو حافلتين فإنك ستكون أمام مشهد معتاد و هو حافلة من 29 مقعد تستوعب حوالي 40 تلميذا ، كما أن هناك حالة من التدافع الدائم بين التلاميذ من اجل الظفر بمكان في الحافلة خوفا من غياب الحافلة الثانية ، و هو الذي صرنا معتادين عليه ( على حد تعبيرهم ) .

      و أمام هذا النقص في توفير النقل المدرسي للتلاميذ ، فإن مناطق عديدة صارت تطالب بتوفير حافلات لضمان وصول تلاميذ المناطق النائية الى مؤسساتهم التربــوية ، أمام عجز الـدولة على بناء مؤسسـات في مناطق سكناهم ، و عجز العائلات على توفير المصاريف اليومية لأبنائهم خاصة مع ارتفاع أسعار النقل غير المدروسة ، و هو ما عرفته على سبيل المثال منطقة القلعة الواقعة أعالي بلدية أبو الحسن العام الماضي بعد غلق تلاميذ الطورين المتوسط و الثانوي للطريق الولائي رقم 44 مطالبين بضرورة توفير النقل المدرسي على اعتبار ان المتوسطة و الثانوية تبعد عن المنطقة أكثر من حوالي 3 كلم .

     و نجد أن بلديات عديدة في الولاية عجزت عن ضمان خدمة النقل المدرسي للتلاميذ من و إلى المؤسسات التربوية ، إما لعدم وجود حافلات و إما لتعطلها ، و هو ما أجبرها على تأجير حافلات ناقلين خواص ، وهو ما وقفت عليه الرابطة ميدانيا في بلديات تلعصة ، أبو الحسن ، المرسى ، سيدي عبد الرحمان و سيدي عكاشة . إن عجز البلديات في توفير النقل المدرسي للتلاميذ ، و كذا عدم وجود حافلات اضافية من طرف وزارة التضامن الوطني ، صار يلزم على الدولة ان تتدخل من أجل ايجاد بيئة تمكن التلميذ من الدراسة ، خاصة ان أزمة المناهج المعدلة و قضية اكتظاظ الاقسام و رداءة وجبات المطاعم المدرسية صارت تلقي بظلالها مع كل دخول مدرسي .

 

المكتب الولائي لولاية الشلف

الأمين الولائي المكلف بالعلاقات العامة

بناط يونس

الكاتب: LADDH

الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *